محمد بن يزيد المبرد

473

المقتضب

والفصل بين « أيّ » ، وبين « هذا » أنّ « هذا » اسم للإشارة ، فهو يكتفي بما فيه من الإيماء . و « أيّ » مجازها مجاز « ما » و « من » ، تكون اسما في الخبر بصلة ، وتكون استفهاما ومجازاة ، فتقول : « أيّهم في الدار » ؟ كما تقول : « من في الدار » ؟ و « ما عندك » ؟ إلّا أنّ « أيّا » يسأل بها عن شيء من شيء . تقول : « أيّ القوم زيد » ؟ ف « زيد » واحد منهم ، و « أيّ بنيك أحبّ إليك » . و « من » لا تكون إلّا لما يعقل . تقول : « من في الدار » ؟ فالجواب : « زيد » ، أو « عمرو » ، وما أشبه ذلك ، وليس جوابه أن تقول : « فرس » أو « حمار » ، أو « طعام » ، أو شراب » . ولو قلت : « أيّ الآلة عندك » ؟ أو « أيّ الظّهر عندك » ؟ ، أجبت عن هذا على مقدار المسألة . و « ما » تقع على كلّ شيء ، وحقيقتها أن يسأل بها عن ذوات غير الآدميّين ، وعن صفات الآدميّين . تقول : ما عندك » ؟ فتجيب عن كلّ شيء ما خلا من يعقل . فأمّا وقوعها على صفات الآدميّين فأن تقول : « ما زيد » ؟ فيقول لك : « طويل » ، أو « شريف » ، أو نحو ذلك . فإذا أقمت الصفة مقام الموصوف ، أوقعتها على من يعقل ، وإقامة الصفة مقام الموصوف كقولك : « مررت بظريف » ، و « مررت بعاقل » ، فإنّما حدّ هذا أن يكون تابعا للاسم ، وأقمته مقامه . فممّا وقعت « ما » فيه على الآدميّين قول اللّه : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ « 1 » . وقال قوم : « ما » وصلتها مصدر ، فمعناه : أو ملك أيمانهم ، وهذا أقيس في العربيّة . وقال اللّه عزّ وجلّ : وَالسَّماءِ وَما بَناها « 2 » ، فقال قوم : إنّما هو : والسماء وبنائها ، وقال قوم : معناه : ومن بناها على ما قيل فيما قبله . فأمّا وقوع هذه الأسماء في الجزاء ، وفي معنى الذي ، فبيّن واضح ، نحو : « من يأتني آته » و ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها « 3 » ، و أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ

--> ( 1 ) المؤمنون : 5 ، 6 . ( 2 ) الشمس : 5 . ( 3 ) فاطر : 2 .